تحولات اجتماعية وتحديات اقتصادية.. المرأة السعودية تُقبل على العمل

وكالة أخبار المرأة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
جدة - " وكالة أخبار المرأة "

ترجلت ريهام الأحمد من سيارة الأجرة التى كانت تركبها مع امرأة أخرى فى وسط الرياض ودخلت المركز التجارى الذى تعمل فيه 4 أيام فى الأسبوع فى بيع أدوات التجميل.
أصبحت ريهام- الحاصلة على الشهادة الثانوية- أول فتاة عاملة فى عائلتها. لم يكن والداها يرغبان فى خروجها للعمل لكنهما تراجعا فى نهاية الأمر بعد أن زادت تكاليف المعيشة فى العاصمة.
وفى ضوء سريان ضرائب جديدة عالية وتخفيضات فى الدعم الحكومى، بدأت أسر كثيرة تعتمد على نحو متزايد على خروج المرأة للعمل. وأصبحت النساء يتفاوضن على مكانة جديدة لهن فى النسيج الاجتماعى الدقيق فى البلاد، وهو اتجاهٌ حظى باحتفاء البعض، بينما قابله البعض الآخر بارتياب فى المملكة التى لاتزال التقاليد المحافظة متجذرة فيها.
اختارت ريهام - ابنة الأربعة والعشرين عاما التى تعيش مع والديها وإخوتها الخمسة الأصغر سنا- متجرًا، معظم زبائنه من النساء، وذلك للتخفيف من شدة مخاوف الوالدين من اختلاطها بالرجال. قالت: «كنت أشعر بالذنب عندما أطلب من والدى أى شىء. لكن منذ بدأت أشتغل أشعر بالفخر لأن بإمكانى مساعدة أسرتى».
تخرج كل يوم آلاف النساء فى مختلف أنحاء البلاد للعمل، وهو أمر لم يكن يخطر حتى على البال قبل بضع سنوات فحسب، لكنه أصبح الآن عُرفا سائدا فى ظل الإصلاحات التى يقودها ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان لتحديث المملكة.
وتسلط السعودية الضوء على ما حققته من تقدم فى قضايا المرأة، لكنها لا تسمح بقيام الأحزاب السياسية أو إجراء الانتخابات.
ولا توجد حاليا أى امرأة فى مجلس الوزراء السعودى أو فى أى أدوار استشارية عُليا. ويضم مجلس الشورى 30 امرأة فقط بين أعضائه البالغ عددهم 150 عضوا.
غير أن النساء يشكلن الآن 33% من مجموع الأيدى العاملة، أى قرابة مثلى النسبة التى كان سائدة قبل 5 سنوات.. وأصبحت النساء من مختلف الفئات العمرية والمستويات التعليمية يقبلن العمل فى وظائف كانت مقصورة من قبل على الرجال السعوديين والعمالة الوافدة فى المطاعم ومتاجر السوبرماركت وشركات المحاسبة وتصميمات الجرافيك.
وفى إطار الإصلاحات، أُتيح للنساء قيادة السيارات منذ عام 2018.. غير أن ريهام الأحمد التى يبلغ دخلها الشهرى 4500 ريال (1200 دولار) لا تستطيع تحمل نفقات دروس تعليم القيادة، هذا بخلاف ثمن السيارة. وقالت: «أصرف حوالى ثلث مرتبى على التاكسى»، مضيفة أنها تدخر المال لشراء سيارة. «لكنى سعيدة فعلا لأن لى عملا أحصل منه على دخل خاص فى نهاية الأمر. لم يخطر على بالى قط أن هذا ممكن بالنسبة لى».
ويعمل عدد صغير من النساء منذ فترة طويلة فى السعودية، لكن وظائفهن كانت عادة فى القطاع الحكومى فى خدمات التدريس والرعاية الطبية، عملًا بقواعد الفصل التام بين الجنسين التى كانت سارية، غير أنه مع تخفيف القيود على اختلاط الجنسين وقيادة السيارات وبعض جوانب وصاية الرجال على المرأة بدأت الشركات توظف أعدادًا أكبر من النساء. وينطبق هذا بصفة خاصة على قطاعى تجارة التجزئة والضيافة، اللذين أطلقت فيهما الحكومة خطة عام 2011 لإحلال مواطنين محل العمالة الوافدة الأرخص، وذلك لمعالجة البطالة بين السعوديين التى يبلغ معدلها الآن 11%.
وقالت الخبيرة الاقتصادية جينيفر بيك: «كثير من الوظائف التى تشغلها النساء كان يشغلها تقليديا غير السعوديين». وقد سهلت القوانين الجديدة عمل المرأة فى الوظائف التى تتطلب التعامل المباشر مع الزبائن.
وتبين أبحاثها أن عدد السعوديات فى القطاع الخاص قفز إلى 935508 فى عام 2021 من 56 ألفا فى عام 2010، وأنه يواصل الارتفاع.
لا يحدث التغير فى الرياض فحسب، ففى عنيزة- وهى مدينة بمنطقة القصيم فى قلب المجتمع المحافظ- بدأت الاتجاهات تتغير، وأصبح عدد أكبر من النساء يعملن رغم حذر البعض من الانقلاب على التقاليد.
واجهت غادة السلمان (33 عاما) بعد تخرجها فى الجامعة صعوبات فى العثور على عمل فى القصيم التى تبلغ البطالة بين نسائها نحو 18%، أى 3 أمثال معدل البطالة بين الرجال. وتحولت إلى صناعة المخبوزات، وافتتحت فى نهاية الأمر 3 متاجر يبلغ عدد العاملين فيها 45 فردا.
وفى مهرجان التمور فى الآونة الأخيرة، عملت على الترويج لإنتاج مخبزها «مخبز روز ربن» (الشريط الوردى)، وهو من أنشطة الأعمال القليلة المملوكة للنساء فى القصيم.
قالت وهى تقدم لزبائنها شرائح من الكعك بالتمر: «لولا والداى لما استطعت أن أفعل أى شىء من ذلك». وأضافت: «أغلب الآباء هنا لا يوافقون حتى الآن على عمل بناتهم طوال اليوم مع الرجال، حتى إذا كن هن رئيسات العمل، وحتى إذا كن يرتدين النقاب».
وترتدى غادة السلمان ما يغطى الوجه وعباءة سوداء طويلة مثل معظم النساء فى الأماكن العامة فى عنيزة، غير أنها تواجه العتاب من المحافظين الأكبر منها سنًا.
وشكا رجل فى الستينيات من عمره من سرعة التغير الاجتماعى، وهو يتلذذ بأكل واحدة من كعكها المكوب. وقال الرجل طالبا عدم نشر اسمه إن الحكومة «تقول لنا إن النساء يجب أن يعملن، لكن هذا يخالف تقاليدنا».
ويرى آخرون أن هذه التغيرات تأخرت كثيرًا. فقد انضمت رنا التركى (45 عاما) إلى شركة أبيها العاملة فى النفط والغاز عام 2000، وكانت من أوائل النساء اللائى عملن بالشركة، وعملت لسنوات فى مكتب لا اختلاط فيه بين الجنسين.
قالت رنا التركى، التى أصبحت الآن من أصحاب شركة روابى القابضة وأحد مديريها: «فى ذلك الوقت، لم يكن الرجال مهذبون حتى. لم يكن أحد يقول صباح الخير أو يركب المصعد معى، ولم يطيقوا حتى الوقوف معى فى غرفة واحدة». وأضافت: «الحمد لله الأمور تغيرت. فى أيامى كنا حتى نخاف من طلب مرتب. لكن الفتيات هذه الأيام يدخلن ويتفاوضن بشدة. فهن يدركن قيمتهن».
ورغم ذلك فإن فجوة الأجور بين الجنسين فى السعودية تبلغ 49%، وفقا لأبحاث جمعية النهضة غير الحكومية.
قالت هالة الدوسرى، خبيرة حقوق المرأة السعودية التى تعمل فى الولايات المتحدة: «الاتجاهات الاجتماعية مازالت تحكم دخول المرأة إلى سوق العمل»، وأشارت إلى أن معظم الوظائف الجديدة للنساء أجورها منخفضة. وأضافت أنه رغم سريان قوانين لمنع التحرش والتمييز، فلاتزال النساء يتعرضن للتحرش ويُحرمن من حقوقهن.
وقالت الاقتصادية جينيفر بيك إن بعض أصحاب الأعمال مازالوا يطلبون من النساء موافقة ولى الأمر على عملهن، وذلك رغم الإصلاحات الأخيرة التى تتيح للمرأة قدرا أكبر من التحكم فى حياتها.
وقال صاحب عمل بإحدى الشركات الكبرى لـ«رويترز»: إنه يفضل توظيف النساء لأنهن يجتهدن فى العمل أكثر من الرجال ويحصلن على نصف الأجر.
وقالت 400 شركة هى تقريبا كل الشركات التى حاورتها مجموعة الأبحاث التى تعمل فيها «بيك» إن أجور النساء السعوديات أقل من الرجال، وقال ثلث الشركات إن النساء أكثر إنتاجية من الرجال.. لكن بالنسبة لكثيرات من السعوديات ليست هذه سوى متاعب متزايدة. فقد قالت غادة السلمان صاحبة المخبز: «الشابات يسألننى طول الوقت كيف يمكنهن أن يحققن ما أنجزه. أقول لهن: قبل عشر سنوات كان ذلك مستحيلا. أما الآن فالمستقبل لكُنّ».

أخبار ذات صلة

0 تعليق