نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ذكرى مفاوضات 1920، كواليس الصفقة البريطانية التي رفضها سعد زغلول لحماية السيادة المصرية - النيل نيوز, اليوم الثلاثاء 18 أغسطس 2026 08:05 صباحاً
تستحضر الذاكرة الوطنية المصرية واحدة من أهم المحطات المفصلية في المسار السياسي للبلاد في أعقاب ثورة 1919؛ إذ شهد صيف عام 1920 في العاصمة البريطانية لندن جولات الاجتماعات الرسمية بين الوفد المصري برئاسة سعد زغلول واللجنة البريطانية برئاسة وزير المستعمرات اللورد ميلنر، بهدف صياغة الاعتراف بالاستقلال وبناء علاقة جديدة بين القاهرة ولندن.
مقدمات اللقاء، صمود الشارع يجبر لندن على التراجع
لم يكن جلوس بريطانيا العظمى على طاولة المفاوضات مع سعد زغلول وليد تحول دبلوماسي مفاجئ، بل جاء نتيجة تراكم ميداني وسياسي فرضته ثورة 1919 الشعبية. فعقب مقاطعة الشعب المصري الشاملة للجنة ميلنر التي أُرسلت للقاهرة لبحث أسباب الاضطرابات، أدركت سلطات الاحتلال أن تجاوز الوفد المصري بات أمرًا مستحيلًا، وأن أي تسوية سياسية لا يوقع عليها سعد زغلول المفوّض شعبيًا لن تتعدى حبرًا على ورق.
أمام مقاطعة القوى الوطنية للجنة، اضطر اللورد ميلنر إلى دعوة سعد زغلول ورجال الوفد للحضور إلى لندن لبدء مفاوضات مباشرة ومحاولة التوصل إلى صيغة تنهي الحماية البريطانية وتضمن المصالح الاستراتيجية للإمبراطورية.
أوراق الوفد المصري، الثوابت الوطنية وحصانة التوكيلات
دخل الوفد المصري جولات التفاوض مسلحًا بظهير شعبي عريض وتوكيلات رسمية منحته الشرعية الكاملة للمناورة والتحدث باسم الأمة. وتلخصت الموقف التفاوضي للوفد في عدة ثوابت لا تقبل التجزئة:
الإلغاء التام والمباشر للحماية البريطانية وإعلان استقلال مصر استقلالًا تامًا وناجزا.
الجلاء العسكري الكامل للقوات البريطانية عن الأراضي المصرية، ورفض بقاء أي قواعد أو حمايات عسكرية أجنبية داخل البلاد.
تأكيد السيادة المصرية الكاملة على السودان باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الدولة المصرية وفق الاتفاقيات التاريخية.
استقلال السياسة الخارجية المصرية وحق القاهرة في التمثيل الدبلوماسي المستقل وعقد المعاهدات دون وصاية أو تدخل من جانب بريطانيا.
كواليس الطاولة.. الاستقلال الشكلي وضمانات التاج
شهدت أروقة المباحثات سجالًا حادًا وضغوطًا متواصلة؛ حيث سعى اللورد ميلنر للالتفاف على مفهوم الاستقلال عبر تقديم مشروع معاهدة يمنح مصر استقلالًا اسميًا مع الحفاظ على الهيمنة الفعلية لبريطانيا.
وسعت بريطانيا لفرض شروط تضمن لها إدارة السياسة الخارجية لمصر، وبقاء قوات عسكرية لحماية قناة السويس والمصالح الأجنبية، إضافة إلى الاستمرار في إدارة وتوجيه الملفات المالية والقضائية عبر مستشارين بريطانيين. وتصدى سعد زغلول لهذه المحاولات بشراسة، متمسكًا بأن التنازل عن هذه الصلاحيات يعني استبدال الحماية الصريحة بحماية مقنعة تحت مسمى الاستقلال.
ماذا أسفرت المباحثات؟ مشروع المعاهدة والرفض الشعبي
أسفرت هذه الجولات الشاقة عن صياغة أولية أطلق عليها مشروع معاهدة زغلول - ميلنر، ورغم أن المشروع تضمن نصًا صريحًا بإلغاء الحماية البريطانية والاعتراف باستقلال مصر، إلا أنه كبّل هذا الاستقلال بقيود شديدة جعلت منه استقلالًا مقيدًا.
ورفض سعد زغلول التوقيع النهائي على المشروع بمفرده، واشترط عرض بنود المعاهدة على الأمة المصرية والجمعية التشريعية لاستفتائها. وعندما عُرض المشروع في القاهرة، قوبل برفض واعتراض واسعين من القوى الوطنية والشعبية التي رأت في القيود البريطانية مساسًا بجوهر السيادة الوطنية.
وتسببت هذه النتيجة في تعثر المفاوضات لاحقًا، لكنها أرست قاعدة تاريخية مفادها أن الاستقلال الناقص لن يحقق الاستقرار، مما دفع بريطانيا بعد عامين، وتحديدًا في عام 1922، إلى إصدار تصريح 28 فبراير الأحادي لإنهاء الحماية، والبدء في دخول مصر العصر الدستوري والنيابي.


















0 تعليق