قصارى القول

العربى الجديد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
كنتُ صرفت النظر عن الاستمرار في السجال الذي افتتحه الكاتبان حيان جابر وناجي الخطيب معي في شأن الدولة ثنائية القومية والدولة الديمقراطية العَلمانية والدولة الواحدة؛ وهو سجالٌ مفيدٌ في أي حال، مهما تكن الخلاصات، لكن بعض أصدقائي ممن يتابعون صحيفة العربي الجديد أصرّوا على إقفال الباب وقفل النقاش كي لا يؤخذ عليّ الاستهتار بآراء الكاتبين. وتحت إلحاحهم وإلحافهم، بادرت إلى إقفال النافذة لا الباب، لأن الباب مصدر لنقاش مختلف مع كتّاب مختلفين. وبهذا المعنى، رغبتُ في الإشارة إلى جملة واحدة فقط وردت في مقالة حيان جابر (العربي الجديد، 27/1/2019) هي: "لم أتمكن من العثور على وثيقة فتحاوية رسمية (...) تتضمن إعلاناً رسمياً واضحاً وصريحاً بذلك في تلك المرحلة"، وهو يقصد عدم وجود وثيقةٍ تتضمن خيار الدولة الوطنية الديمقراطية. وسأنبري إلى معاونة الأستاذ حيان جابر في هذه المسألة، فأقول له إن المؤتمر الثاني لحركة فتح الذي عُقد في الزبداني في أواخر تموز/ يوليو 1968 تبنّى بوضوح تام فكرة الدولة الديمقراطية. وفي 1/1/1969 أعلن محمد أبو ميزر (أبو حاتم) من باريس، وكان ممثلاً لحركة فتح في أوروبا، وثيقة بعنوان "الثورة الفلسطينية واليهود" تضمّنت رؤية حركة فتح، وتطلعها إلى قيام "دولة ديمقراطية في فلسطين". وجاءت تلك الوثيقة في صورة إعلان سياسي من سبعة بنود، سُلّمت إلى وكالات الأنباء في باريس في 31/12/1968، فنُشرت في 1/1/1969 بعد أن ساهم في صوغها عبد الحميد المهري وآخرون من غير الفلسطينيين. وجاء في البند الخامس من الوثيقة الفتحاوية: "إن الهدف النهائي لنضال حركة فتح هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية يتمتّع فيها جميع المواطنين، بغض النظر عن دياناتهم، بحقوق متساوية". وعرضت حركة فتح فكرة الدولة الديمقراطية للنقاش في المؤتمر الثاني لنصرة الشعوب العربية الذي عُقد في القاهرة بين 25 و28/1/1969. وأدلى ناطقٌ باسم "فتح" في 7/6/1969 بتصريح جاء فيه: "إن فكرة الدولة الديمقراطية تهدف إلى دعوة أبناء الطائفة اليهودية في فلسطين إلى النضال 
"بادرت إلى إقفال النافذة لا الباب، لأن الباب مصدر لنقاش مختلف مع كتاب مختلفين"
ضد الصهيونية والتحرّر من ابتزازها". وفي 10/10/1969 أعلن صلاح خلف (أبو إياد) في مؤتمر صحافي أن "فتح" تدعم قيام دولة ديمقراطية في فلسطين التاريخية، يعيش فيها اليهود والعرب معاً كمواطنين متساوي الحقوق. ونشر محمد رشيد (وهو الاسم المستعار آنذاك للدكتور نبيل شعث) ثلاث مقالات في مجلة "فتح" نصف الشهرية، بعنوان "نحو فلسطين ديمقراطية" (راجع: مجلة "فتح"، 20/11/1969، و1و19/1/1970). ثم صدرت المقالات الثلاث في كتاب مستقل بالعنوان نفسه عن مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية (انظر: سلسلة أبحاث فلسطينية رقم 24، بيروت، 1970).
هل تكفي تلك المصادر يا أخ حيان أم تريد المزيد؟ مهما يكن جوابك، فأود أن أقول تعقيباً على جملة "لم أتمكّن من العثور على وثيقة فتحاوية..."، إن لم تتمكّن فلا تكتب. تمكّن ثم اكتب. وقد اتضح لي أنني لا أمتلك من الفهم مقدار فهمك، لكن كل ما أريده أن أفهم عليك.
أما ن. الخطيب الذي ذكّرني بدكان أبو محمد الكبة في بيروت، وهو تذكيرٌ لطيف بزمن النضال الصاخب، حين كنا نطارد اليساريين بين المكاتب والمقاهي، لنقبس منهم ولو قليلاً من المعرفة، أمثال صادق جلال العظم وجورج طرابيشي والعفيف الأخضر ومنير شفيق قبل تحولاته الفكرية، فأقول له إن مقالته الأخيرة لا تستحق التعقيب، لأنها ملوّثة بعبارات مثل "المثقف النرجسي" و"الكتابة الصحافية المتسرعة" و"خلط الحابل بالنابل"، ولهذا كان ردّه أدنى من المردود عليه؛ فقد جئتَ تعلّمنا ما لم تتعلم بعدُ، كالقول إن فلسطين هي سورية الجنوبية (يحيا عارف العارف)، وإن التبلور يحمل فكرة الانتقال من حالٍ إلى حال... إلخ (الله الله). هذا الكلام مجرد توتولوجيا انقرض زمنها [إذا كان الكاتب لا يعرف معنى توتولوجيا 
"المؤتمر الثاني لحركة فتح الذي عُقد في الزبداني في أواخر تموز/ يوليو 1968 تبنّى بوضوح تام فكرة الدولة الديمقراطية"
فدونه القواميس]. وما كنتُ لأناقش تلك التوتولوجيا، لأنها لا تقول أي فكرة غير الطنطنة، على غرار "فول يا ترمس"، وكان عليه أن يتأكّد من مواقع رأسه حين يساجلني، لا أن "يخرط" كلاماً خنفشارياً من طراز العبارة السقيمة التالية: "عدم الدقة هي سمة كتاباته الصحافية المتعجّلة" (عجيب!). وقد حرتُ في أمر هذا الكاتب، فخلت أنني أقف أمام باحثٍ أسطون، لا يتورع عن الإرشاد والتوجيه، لكن ما كتبه دلّ على أن رماحه من قصب وسيوفه من خشب، والأفكار تهرب منه ولا تستقر على قوام، فحاول أن يعوّض عن ذلك بكلام مطولٍ وغير ضروري البتة عن أطروحته "الباهرة" التي توجد مئتا أطروحة مثلها في سوق الكتابة الفلسطينية، والتي أتمنّى أن تكون جيدة، وإن كنتُ لن أقرأها خلافاً لنصيحته التي لا مكان لها عندي، والمقالة تحفل بتساؤلاتٍ تثير حفيظة بدهيات أوقليدس، كأن يقول: "رأيت الشيخ يمشي في شوارع المدينة"، ثم ينبري بعد ذلك إلى التساؤل: هل للشيخ قدمان حقاً؟
لم أكن أقرأ للسيد ن. الخطيب، ولم أحاول أن أفعل. لكنني، حين قرأت مناقشته لي قرّرت ألا أعيدها، وعندما عدت ندمت.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق